الصالحي الشامي
263
سبل الهدى والرشاد
الباب الحادي عشر في أنواع الوحي قال العلماء رضي الله تعالى عنهم : كان الوحي ينزل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أحوال مختلفة . الأول : الرؤيا الصادقة في المنام . قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ( إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى . قال يا أبت افعل ما تؤمر ) [ الصافات 102 ] فدل على أن الوحي كان يأتيهم في المنام كما كان يأتيهم في اليقظة . وفي الصحيح عن عبيد بن عمير : ( رؤيا الأنبياء وحي ) وقرأ هذه الآية . الثاني : أن ينفث الملك في روعه وفقلبه من غير أن يراه ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : إن روح القدس نفث في روعي : لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق عن أن تطلبوه بمعصية الله فإن ما عند الله لن ينال إلا بطاعته . رواه ابن أبي الدنيا في كتاب القناعة والحاكم . وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ومحيا ) [ الشورى 51 ] : هو أن ينفث في روعه بالوحي . قال الحليمي : هذا هو الوحي الذي يخص القلب دون السمع . الثالث : أن يأتيه مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه ، فيتلبس به الملك حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد وحتى إن راحلته لتبرك على الأرض . روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ) ( 1 ) . وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات عن أبي سلمة الماجشون أنه بلغه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : ( كان الوحي يأتيني على نحوين : يأتيني به جبريل فيلقيه علي كما يلقى الرجل الرجل فذاك يتفلت مني ، ويأتيني في شئ مثل صلصلة الجرس حتى يخالط قلبي فذاك لا يتفلت مني ) ( 2 ) .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 1 / 3 ( 2 ) ومسلم 4 / 1516 ( 87 - 2333 ) . ( 2 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 197 .